محمدحسن القبيسي العاملي
382
تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي
ولتوضيح المطلب ، وان كان كالبديهي من الوضوح نقول : انه لا ريب في أن النازل من اللّه تعالى انما هو من مقولة الالفاظ وكيف لا وصفات الذات غير زائدة عن الذات ولا يعقل انفكاكها عن الذات . واحتجاج الأشعري لمذهبه بان المتكلم من قام به الكلام لا من أوجد الكلام باطل قطعا لان قيام الكلام بالمتكلم قيام صدوري لا حلولي والقيام الصدوري للكلام انما هو عبارة عن ايجاده خارجا كقيام سائر الأفعال بالفاعلين حيث إنه قيام صدوري وهو متحد حقيقة مع الايجاد ، فلا فرق بين قيام الكلام بالمتكلم وايجاده له بعد ما عرفت من أن قيام المبدأ بفاعله قيام ايجادي ، فكلام اللّه فعل من أفعاله ، ولذا ترى التعبير عن القرآن في القرآن بالنزول والذكر والوحي والبرهان والكتاب والفرقان والقرآن ، وكل تلك الالفاظ دالة على كون القرآن من مقولة الالفاظ لا الصفات ، وأما معاني القرآن فهي منبعثة عن علم اللّه تعالى بالأصلح الذي هو عين ذاته ، وبالجملة فالقرآن عبارة عن الالفاظ الدالة على المعاني وليس هو صفة وليس بألفاظ فقط بل هي ألفاظ مع المعاني . الثالث : قد يتوهم من استلزام علم الباري بعواقب الأمور ومن ورود النص بأنه قد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة عدم تأثير لأي فعل من الأفعال الاختيارية في الحوادث وقلبها ، ويزول هذا التوهم بالدقة في أن الأفعال الاختيارية خيرا أو شرا انما هي بعض من المؤثرات التكوينية في الحوادث من الصحة والمرض والفقر والغنى وطول العمر وقصره وخير ذلك ، وكل ذلك مندرج تحت سنة اللّه التكوينية ، فالمقتضيات التكوينية بفعل اللّه التكويني وخلقه انما تؤثر آثارها وتسبب مقتضياتها وتصل إلى حد العلة التامة إذا وجدت شرائطها التي منها أفعال العباد بجعل تشريعي من اللّه لاحكامها وجعل تكويني لآثارها ، فاقدة للموانع التي منها أفعال العباد كما في الشرائط ، فإذا كان لطبيعة الانسان اقتضاء أن يعيش مائة سنة وكان من شرطها صلة الرحم أو كان المانع عن اقتضائها الزنا فلم يوجد